ابن أبي الحديد

278

شرح نهج البلاغة

قال أبو عثمان : وكان جعفر يعجب أيضا بقول علي عليه السلام : أين من جد واجتهد ، وجمع واحتشد ، وبنى فشيد ، وفرش فمهد ( 1 ) ، وزخرف فنجد ، قال : ألا ترى أن كل لفظة منها آخذة بعنق قرينتها ، جاذبة إياها إلى نفسها ، دالة عليها بذاتها ! قال أبو عثمان : فكان جعفر يسميه فصيح قريش . * * * واعلم أننا لا يتخالجنا الشك في أنه عليه السلام أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين ، إلا من كلام الله سبحانه ، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك لان فضيلة الخطيب والكاتب في خطابته وكتابته تعتمد على أمرين هما : مفردات الألفاظ ومركباتها . أما المفردات فأن تكون سهلة سلسة غير وحشية ولا معقدة ، وألفاظه عليه السلام كلها كذلك ، فأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الافهام ، واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض ، وتلك الصفات هي الصناعة التي سماها المتأخرون البديع ، من المقابلة ، والمطابقة ، وحسن التقسيم ، ورد آخر الكلام على صدره ، والترصيع ، والتسهيم ، والتوشيح ، والمماثلة ، والاستعارة ، ولطافة استعمال المجاز ، والموازنة ، والتكافؤ ، والتسميط ، والمشاكلة . ولا شبهة أن هذه الصفات كلها موجودة في خطبه وكتبه ، مبثوثة متفرقة في فرش كلامه عليه السلام ، وليس يوجد هذان الأمران في كلام أحد غيره ، فإن كان قد تعملها وأفكر فيها ، وأعمل رويته في رصفها ( 2 ) ونثرها ، فلقد أتى بالعجب العجاب ، ووجب

--> ( 1 ) ب : ( ومهد ) . ( 2 ) ب : ( في صنعها ) .